بيروت هتروتوبيا
اكيرا تاكاياما

غرفة رقم ١
ميرين أرسانيوس
١٩٩١

صوت: زياد شكرون
تصميم الديكور: عيسى قنديل

شخصيات القصة

الأم
شعر أسود منسدل، عيون سود، عملية تجميل للأنف تعود إلى السبعينيات. تهمهم بكلمات إسبانية، لغتها الأم، في نومها. لها ولدان تركت للأب أن يختار أسماءهما. لا تجد اللغة اللازمة للتعبير عما ترغب في أن تكون. لذا تقول “أرغب في خاتم من الألماس وقرط من الذهب”. حُسنها عادي، وهي ذكيّة، شرسة. تعوّضها شراستها عما تفتقر إليه من كلمات، ولا سيما في الجدال والتعبير عن الأفكار، ولكنها تتقن لغة النباتات.

الأب
رجل مقهور لا يعرف معنى “القهر”. يمسّد شعره الأجعد بفرشاة مستديرة ومجفّف للشعر. يعبد السلطة بكل أنواعها. هو رجل أمين يؤمن أن للفقراء الحق في المزيد، ولكنه لم ينضم يوماً للحزب الشيوعي. ينتمي لتيار الوسط. نشاطه المفضل هو إجلاس الناس حول المائدة، تبعاً لمنطق لا يعلمه إلا هو. يكتب خطابات لزوجته يعبّر فيها عن حبه لها، وأن عليها أن تهدئ من روعها. يشتري لها خواتم من ذهب. لا تخلو سيارته من قنينة العطر. لا يطلق المزحات إلا بالعربية.

سوما
سريلانكية ألقت بها الأقدار في لبنان عبر مقايضة مريبة، وعدتها برغد العيش. يتساقط شعرها باستمرار. حاولت رسم الابتسامة على وجهها عندما وصلت، ولكن سرعان ما أدركت طبيعة الوحش الكاسر، وتوقفت عن الحديث تماماً. تمشط شعرها الأسود الحريريّ في صمت. تربطه أحياناً على شكل كعكة محكمة. تحدّق في الأخ والأخت وهما يلعبان من شباك المطبخ المترب. هي أيضاً لها أبناء. تبكي سرّاً، وأحياناً في العلن. لا تعرف ماذا تفعل بالطعام الذي تعطيها إياه الأم. في النهاية، تكفيها قطعة خبز مع جبن البيكون.

الشقيق
من العسير معرفة الشقيق في هذه القصة، فهو شخصية هامشية، يدخل ويخرج من المشاهد على نحو اعتباطي. جسده نحيف عليل بعض الشيء. يعاني من ضيق في التنفس وتشتعل حساسيته من وقت لآخر. مناعته ضعيفة على نحو دائم. تحبه الأم، ويحبّه الأب، وتحبّه الأخت، ولكنه غائب عن أعينهم جميعاً.

الراوية
امرأة في منتصف الثلاثينات من العمر، كانت ذات يوم في الحادية عشرة من العمر. وقتما كانت في الحادية عشرة، حاولت إصدار تعليماتها لأولاد الحيّ، كي يقوموا بأمور لم تجرؤ على الإقدام عليها. على الرغم من عمرها، فقد كانت ترغب في المزيد من الحب من رفاقها، وفي المزيد من الحب من أمها، وفي المزيد من الحب من شباب لم يقدروا على مبادلتها الحب. تقرأ الروايات وتدوّن يوميات تحفظ فيها كل ما يدور في خاطرها، أو هكذا تعتقد.
Beirut Heterotopia
Akira Takayama

Room 1
Mirene Arsanios
Nineteen Ninety One

Narrated by: Lina Sahab
Set Designer: Issan Kandil

Family Profiles

THE MOTHER
Straight black hair, black eyes, 70s nose job. She’s tall. In her sleep, she mumbles Spanish words, her native tongue. She has two kids she let the father name. She doesn’t have language to say what she wants to be. Instead she says, “I want a diamond ring and golden earrings”. She’s pretty in conventional ways. She’s smart and aggressive. Her aggression stands for the language she lacks when it comes to argumentation and ideas, but she can talk with plants.

THE FATHER
A repressed man who doesn’t know what the word “repression” mean. He straightens his curly hair with a round brush and a blow dryer. He worships authority— all kinds with no exceptions. He’s an honest man who thinks the poor deserve more but was never part of the communist party. He’s a centrist. His favorite activity is seating people at a table, assigning them seats through a logic only he understands. He writes letters to his wife saying that he loves her but that she should calm down. He buys her golden rings. He always carries a bottle of cologne in his car. He only jokes in Arabic.

SOMA
A Sri Lankan national who ended up in Lebanon through a shady transaction in which she was promised a good life. She keeps shedding hair. When she first arrived, she tried smiling but quickly understood the nature of the beast and stopped talking altogether. She combs her long black silky hair in silence. Sometimes she ties it into a taut bun. She stares at the sister and the brother playing outside from the dusty kitchen window. She, herself, has kids. She cries in secret, sometimes in public. She doesn’t know what to do with the food the mother gives her. Eventually, she settles for Picon cheese and white bread.

THE BROTHER
It’s hard to tell who the brother is in this story. He’s a peripheral character. He wanders in and out of situations. He’s thin, almost sickly. He suffers asthmas attacks and allergy flare ups. His immunity is always somehow compromised. The mother loves the brother, the father loves the brother, the sister loves the brother, but none of them really see the brother.

THE NARRATOR
A woman in her mid-thirties who was once eleven. When she was eleven, she tried bossing other kids around, have them do things she herself didn’t dare to do. Regardless of her age, she wants more love from her friends, more love from her mother, and more love from guys who are unable to love her. She reads novels and keeps a diary where she writes exactly what’s going through her mind, or so she believes.

الترجمة إلى العربية
في الفترة بين العامين ١٩٩١ و١٩٩٣، كنا نعيش في بيتٍ جاثمٍ فوق تلّةٍ من أشجار الصنوبر تُسمّى «مونتي ڤيردي». من الشرفة، كنّا نرى بيروت. وكنّا نشيرُ إليها بأصابعنا وكأننا نَنْأى بأنفسنا عن فوضاها وحربها. هنا، تحيط بنا غابة، وآثار الرصاص أو القذائف قليلة جداً على المباني أو على الطريقة التي يتحدث بها الناس.

كانت غرفتي تحتوي على هاتف مُثبَّت على الحائط، لونه ربما زهريّاً أو من لون ناعمٍ آخر. أستطيع أن أرى المنزل بينما أتكلّم، وأشعر به من الداخل: حاضرٌ مجرّد من الذّكريات، فيضٌ مستمرٌّ من التجربة الجسدية الخالية من التذكّر أو القِصَص. لكن في لغة الجُمَل، كان المنزل واسعاً بما يكفي لإقامة الحفلات: برّاد كبير، وعائلة، وطاولة پينغ-پونغ، ​​وثلاثة حمّامات. كانت تغطي أرضية غرفة النوم سجادة زيتيّة اللون عليها ثقوب من حروق السجائر، وكلبٌ أجرب يدعى «تايني»، جاء مع المنزل من دون كلفة إضافيّة.

أمّي هي التي عثرت على المنزل واختارته، غرامها الأول في الحياة كان العقارات. أما والدي فنادراً ما كان متواجداً. كانت سفراته كثيرة، كي يضع لبنان على خارطة البلدان العالمية، برفقة حكومة حقيقية ومستثمرين محتملين. كانت جميلة ولكنها كانت وحيدة. تحضّر كعكات خالية من السكر، تأكلها وحدها. بالكاد تتحدّث العربيّة، ولكنها ترفض ألّا تتكلّمها. كان الناس يقدّرون جهودها، إذ كانت لا تكلّ. عندما تخلد إلى النوم، كانت تجاهد ألا تستيقظ. تدهن وجهها كل مساء بطبقة سميكة من مستحضرٍ مُضاد للشّيخوخة، وتقبّلنا قبل الخلود إلى النَّوم. في تلك السنوات، لم يكن شقيقي الأصغر جزءاً من عالمي. عندما أمشي من غرفة الجلوس إلى المطبخ، لا أرى شيئاً مما كان عليه، أو مما أراده أن يكون.

خارج المدرسة، أقضي معظم الوقت على الهاتف، أحاول الاتصال برفاقي. لقد تضرَّرَت الخطوط أثناء الحرب، ولكن في بعض الأحيان، تنجح المكالمة في الوصول بأعجوبة إلى ميراي أبو عرّاج، وهي جارةٌ ذات عيون زرق وشعر أشقر، تأكل البيتزا مع الخبز. كانت أكبر منّي سنّاً وتستعمل شامبو غالي الثّمن، مُعَطَّراً بالكيوي أو بجوز الهند. كنت أتعلّم منها كيف أجعل بشرة جلدي تلمع. في ذلك الوقت، وحتى الآن، أردت أن يُعجَب الناس بأجزاءٍ مختلفة منّي: شعري، وعَينَاي، وأظافري التي كنت أربّيها كالنباتات. كل صباح يتغيّر جسمي الذي كنت أعرضه على ميراي ويارا وسمر. كنا نقارن الملاحظات، نفرد سيقاننا أمام المرآة ونتأمّل معاً الرطوبة المُتغضِّنة في مهابلنا. كنت أكثفهن شعراً، وأكبرهن طموحاً. لم أكن أود أن تعلم أمّي عن دورتي الشهريّة، التي كانت تجري غزيرة. كانت منهِكة. كما أنني أردت أن أجنّبها محنة التّلقين، فأتركها تشاهد التلفزيون من دون توقّف. اكتشفتها سوما، الخادمة السريلانكية، عندما عثرت على ملابس داخلية ملطَّخة بالدِّماء، كنت قد حَزَمتها وألقيتها في أعماق الجارور. قامت سوما بغسلها سِرّا وإعادتها إلى حيث كانت وكأن أمراً لم يكن.

في تلك الأيام، كان ثمة ما نقوم به دائماً. تُبقينا شجرات الصنوبر نشطاء. نجمع الأكواز ونكسر القشور بحجرة ونحاول بيع ثمارها لأهلنا. كنّا نُنَقّب وننبُش الحدائق المُنَسَّقة بإتقان من دون سبب واضح. استخدم ضمير الجمع هنا كناية عن مجموعة وهميّة مؤلَّفة من أطفال الفيلات المجاورة، نشكّل معهم أحزاباً سياسيّة أو نلعب لعبة الأشباح. وفي بعض الأمسيات، تحلّ فينا أرواح صراصيرٍ أو كلابٍ أو أطفال فُقِدوا قبل حقبة التسعينيات بكثير.

كانت أمّي شديدة العناية، لدرجة أنها لم تكن تعتني بشيءٍ يُذكَر. بالنسبة لها، كنا “عائلة” لأن لدينا منزلاً مع حديقة وشخص يلبّي احتياجاتنا، أي سوما. كبرتُ مع شعورٍ بالاستياء من أمّي، كونها قليلة الخبرة وفاشلة في العلاقات. بعد سنوات عديدة، اكتشف من خلال قراءة الطالع أنني ولدت مع غروب الشمس، وأن المشكلة الحقيقية كانت والدي، وإيمانه الراسخ في الدولة القومية، وفي كل ذلك الجهد الذي بذله في الخارج، وفي المؤسسات والبروتوكولات التي آمن بأنها سوف تعفي الأمة الوليدة من فوضاها وهي قد تاهَت وانحرفت، ولكنه كان مخطئاً. حتى تايني يعرف أنه كان مخطئاً، إذ كان يزمجر كلما رأى أبي عند عودته من السفر.

لحسن الحظ، كان ثمة كواكب أخرى وأوطان أخرى ورجال آخرون يتصلون بهاتف المنزل. عندما تجيب أمّي، أرفع السماعة على مهلٍ كي أنصتُ إلى صوت المتصل. كان أحد من المتصلين يُليِّنَ صوته ويتكلّم ببطءٍ ويقدّم اقتراحاتٍ بديلة. يمكنه أن يلتقي بها عند المستديرة بدلاً من المقهى، أو “سأمُرُّ لأصطحبك بسيارتي”، وهي تَدَّعي الحياء. كانت والدتي امرأة محترمة وأمّاً لطفلين. عندما يقترح المتصل أن يمرّ ليأخذها، تصمت – سكوتٌ طويلٌ مشحونٌ بالرغبة. ثم تضع أحمر الشّفاه وتنتظر عند البوابة بجانب تايني، الذي يكره الغرباء ولا يخفق أبداً في الإعلان عن وصولهم.

على الرغم من اكتئاب الأم وغياب الأب وبؤس الخادمة وعدم اعتبار الأخ، إلّا أن الحديث كان متفائلاً في أغلبه. كانت تُسمَعُ تعبيرات من قبيل «إعادة الإعمار»، و«الهندسة»، و«أفضل»، و«أميركي»، في الأحاديث العابرة وفي طوابير السوبر ماركت وغُرَف الانتظار واجتماعات المدارس. كلماتٌ كانت تئز كالذُّبابِ في مجالنا السمعيّ وخارجه. نتمسّكُ بها ونكرّرها فيما بيننا. “أعرفُ مهندساً”، “هذا اللحم مُستَورَد”، “يشقّون أتوستراداً جديداً”، “اشتريتُ موّلداً”. نحن أيضاً كانت لنا حصّتنا من الرّخاء: مجموعة قيّمة من الفُوَط الصحية المُوَضَّبة بإتقان، والتي كنّا نحفظها داخل صندوقٍ خشبيٍّ نخبّئه في خزاناتنا. عندما تبدأ دورتي الشهريّة ويصبح كل شيءٍ جَمعي، أتردّد في فتح العلبة: لا أريد إتلافها أو إفسادها بالدّماء. أريد أن أحفظها للمستقبل.

ماذا أيضاً؟ لقد كانت أمّي سائقة متهورة. تأخذنا من المدرسة بسيارتها الـ«هوندا سيڤيك»، تبدّل المكابح على نحو فجائيّ. الطريق ساحة معركة. تتقاتل مع باقي السيارات، صغيرة كانت أم كبيرة، ترمي عليهم اللوم في عرقلة حركة السَّير. كانت تعتبر نفسها سائقة ماهرة. على الطريق، تُظهِرُ القوّة التي يظهرها الرجال، وتتفوّه بشتائمٍ تسمعها عَرَضاً من سائقين آخرين. أن أكون ابنتها كان أشبه بالتّأرجح بين الشعور بالفخر والشعور بالعار.

أليكساندرا هي صديقة أمّي. بائعة هوى من اليونان كانت قد تزوجت من رجل أعمال لبناني يؤجّر المواقف للشاحنات الصناعية. كانت سريعة التعلُّم، وسرعان ما تأقلمت مع العادات اللبنانية، مثل معاملة الخادمات كالجواري اللاتي عليهن أن يشعرن بالامتنان لخدمة البورجوازيّة الحقيرة وسياراتهم الفارهة وممتلكاتهم المُشَذَّبة ومطابخهم الرخاميّة، وبالتباهي بأطفالهم وبجِباههم المُنفَّخة وكلابهم المُستأجَرة. تتباهى «أليكساندرا» باعتدائها الجسدي على خادمتها، إذ لا يتعلّمنَ إلّا على هذا النحو، هكذا قالت. وشجَّعت أمّي على ذلك. تردَّدت أمّي في البداية، إذ طالما أرادت أن تكون سيدة منزل صالحة. لكن وفي إحدى الأمسيات، صَفَعَت سوما. واعترفت: “لقد صفعتُ سوما.” “لماذا؟”، سألتها. “لأنها لا تفعل شيئاً مما أطلبه منها.” فقلت: “لم لا تصفعي أبي أيضاً؟.” هنا، اشتعل وجهها غضباً وصفعتني صفعة تركت آثار كفّها مطبوعةً على وجنتي لبضعة أيام، ولكنني لم آبَه. بل حملتها كعلامة نصر أتفاخر بها أمام أصدقائي.

في اليوم التالي، أعدَّت سوما طبقاً لذيذاً من كروكيت التونة جَعَلَنا نتقيّأ طيلة الليل والنهار الذي تلاه.

أود أن أتحدث عن أبي، ولكن كل ما يمكنني التفكير فيه هو الصّعوبة التي واجهتها أمّي في تقبّل أن أخي يرغب في الحصول على زي راقصة باليه، أو أن يتظاهر لهواً بأنه متزوّج من رفيقه عمر. كان على الرّغبة أن تنقمع داخل سلوكٍ لائقٍ، وإلّا فقد نفكّر خلاف ذلك، أي بأشكالٍ أخرى للحب والإصلاح وبناء الوطن، خارج حدود الدّولة. كرَّسَت عائلتي طاقتها للمظهر الزائف، ولعدم النّظر إلى أصول علاقاتنا وأساساتها.

في النهاية، غادرنا المنزل وتركنا خلفنا شجر الصنوبر. نما ثديايَ على نحو كامل، وأُصيبت أمّي بالسرطان، وخانَها أب، وعاد أخي إلى عالمي، وتمكَّنت سوما من الفرار بفضل رجلٍ يدعى پِيا. سمعت لاحقاً أنها تعمل لدى عائلة أخرى، وبأن وزنها زاد وبأن حالها على ما يرام، ولكن يصعب تصديق ذلك. سَلَّمنا المنزل على أكمل وجه، وفقاً لما يقتضيه التعاقد، لكن تايني كان قد مات. قبل أن نغادر، خرج وضَلَّ طريقه بعد أن نسي أبي إقفال البوابة. فانقضَّ عليه كلب الجيران، من سلالة الراعي الألماني، وغرز أنيابه عميقاً في رقبة تايني كمصَاصِ دماءٍ ساغِب.