بيروت هتروتوبيا
اكيرا تاكاياما

غرفة رقم ٣
رأفت مجذوب

صوت: رأفت مجذوب
تصميم الديكور:نانو غانم

شخصيات القصة

محمد (مادو)
تنتمي عائلة محمد إلى طبقة بيروتية متوسطة (إلى ميسورة سابقاً) تعتزّ بتمدنها وعدم صلتها بأيّ جذور ريفية. تفتخر الأسرة بمصاهرتها بيوت الشام ويافا، وتتحدّث العربية فيما بينها، وبالأخص في المطاعم التي تستعرض لوائح الطعام فيها باللغة الأجنبية حصراً. حاز محمد شهادة الماجستير في إدارة الأعمال من فرنسا، ويشغل وظيفة استشارية تحمله إلى بلدان الخليج من حين لآخر. تسمح له إمكانياته المادية بأن يعيل أمه، التي يزورها على نحو دوري حينما يزور لبنان، وإن كان لا يعيش هناك.

حكمت
من النادر أن يتعرّف أحدهم على حكمت من دون أن يرغبه. تتحوّل شخصية حكمت على نحو دائم، وكأن العالم ما هو إلا “بوفيه” من الشخصيات التي يتذوقها. ثمة أمر واحد ثابت لا يتغير، يكتب حكمت كل يوم في يومياته أن فيروز قد توفيت، منتظراً أن يتحقق الخبر. وهكذا التقى بمحمد. كان حكمت جالساً في “مزيان” يدوّن في دفتر يومياته. وكان محمد هناك في بزّته يتظاهر بالمغايرة بين زملائه خلال غذاء عمل. ألقى محمد بناظريه: “سوف يجهش بالبكاء آباء الجميع، صبيحة وفاة فيروز”. مكتوبة بالحبر الأسود، وأدرك أنه يرغب في هذا الرجل. عثر على حسابه على انستغرام
( @hkmt___ ) و”ليّك” جميع صوره. كما نعلم جميعاً، ذلك يعني “هاي، مرحبا، وينك”.

الأم
زها، أم محمد، معمارية حلوى وأسرار.

الأب
مجهول


Beirut Heterotopia
Akira Takayama

Room 3
Raafat Majzoub

Narrated by: Raafat Majzoub
Set Designer: Nanou Ghanem

Family Profiles

MOHAMAD (MADO)
Mohamad’s is a former upper middle class family from Beirut that is proud not to have rural lineage. The household prized intermarriages with Damascus and Jaffa in the extended family, and have always spoken Arabic in their milieu, especially in restaurants with exclusively foreign language menus. Mohamad has an MBA from France, and has a consultancy job that takes him to the Gulf every now and then. He can afford to support his mother, and visits her house on a daily basis when he is Lebanon, but does not live there.

HEKMAT
It is rare that one would meet Hekmat and not desire him. He is someone that changes character perpetually, as if the world is a buffet of character profiles for him to taste. One thing is constant. Every day, in his diary, he writes that Feiruz had passed away and waits for it to actually happen. This is how he and Mohamad met. Hekmat was sitting in Mezyan writing his diary. A suited Mohamad was there “acting straight” with some colleagues for a work lunch. He glanced, “Everyone’s father would cry that morning though, to the death of Feiruz,” being written in black ink and knew he wanted this man in bed. He found him on Instagram ( @hkmt___ ) and liked all his photos. As we all know, this means “Hi, hello, come over.”

THE MOTHER
Mohamad’s mother, Zaha, is an architect of desserts and secrets.

THE FATHER
Unknown


القصة
لقد عدتُ، لكنني أعتقد أننا ما زلنا في علاقة بعيدة المدى. كيف تعيد التعرف على شخصٍ تعرفه جيداً؟ عن بدء.

الأمر أشبه بتناول غاتو الشوكولا الذي تحضرُّه والدتُك من دون أن تتعرف على مذاقه، بينما يلتهمه جيرانك ويتلذّذون به. “شو شاطرة يا زَها!”، وبأفواههم الممتلئة يهتفون، “هالغاتو بيذكرني بكل أعياد ميلاد مادو!”.

أنا مادو، وطعم هذا الغاتو لا يذكرني بشيء. أنفخُ نسمةً ناعمة على بشرته. ترتجف شعيراته الجميلة، دون بشرته. كان بدنه يقشعر في السابق ولكن الحال تغيّر، وأتساءلُ ما إذا كانت بشرته قد تعلّمت أن تتلقّى حُبّاً مِن آخَر.

تضعُ زَها، أمّي، ثلاث حبّاتٍ من التّمر في قالبها الذي تعِدُّه لستة أشخاص، وخمس حبّاتٍ للاثنَي عشر. أعداد فرديّة فقط، تلك عادتنا في تناول التّمر، لأنّ تناول الأعداد الزوجية، فألٌ سَيِّء. مع ذلك، ورغم مرور أربعون عاماً وهي تصنع هذا الغاتو، ما زال سرها مستوراً.

في هذه العائلة، الأسرار هي رجل البيت. أمّا زَها، والدتي، فإنها سيّدة البيت. وأنا مادو، الطّفل الأبدي الذي بلغ الأربعين. أمضيت عمري أرمي زجاجتنا المكسورة في حديقتنا. تُضفي تلك الزجاجات على الأرض بريقاً لا يُضاهى، فلا يجب أن يعرف الجيران أبداً أن زجاجاً قد انكسر أو قد تمّ استعماله، خصوصاً كؤوس النبيذ الجميلة الخاصّة بأمّي التي تسقط أرضاً باستمرار، “انكَسَرَ الشَّر”، تقول كلّما وقع كأساً وانكَسَر.

هكذا أجمع كسرات الشر وأنثرها في التراب حول شجرة الحامض التي زرعها المستأجرون قبلنا. الشر يثمر حامضاً مُرّاً، والحامض المُرّ يثمر كوكتيلاتاً أطيب. لا أتحمّل الكوكتيلات السيئة.

مثل أن أضع أمّي وحبيبي في الغرفة ذاتها، أو أن أتظاهر بأنه مجرد صديق. تخبر أمّي أصدقائها بأنني عندما كنت في فرنسا، تزوجت من إمرأة جميلة “أجمل من بريجيت باردو”، واستبدَلَت هاتفها الذّكي بجهاز «نوكيا 3310»، كي لا يطلبوا منها رؤية الصُوَر. وفي بيتنا لوحة لأمي وهي في الرابعة والعشرين من عمرها، وهي حامل بي، إلى جوارها لوحة أخرى لي وأنا في الثانية عشر من العمر، قبل أن تتكوّن لي آرائي الخاصّة. أحرص على ألّا أقحم آرائي في علاقتي مع أمي. كما ذكرت، لا وقت عندي للكوكتيلات السيئة. في المقابل، لم تعد أمي تسألني عن بريجيت. أذهب إلى بيتها في كل يوم. أجمع الزجاج المكسور حول مقعدها المطل على الحديقة، وأرميه في التراب. يرسم ذلك ابتسامة على وجهها. لم تنل السنوات من بهاء زّها، إذ لا تزال قادرة على التقاط الزجاج المكسور بنفسها، ولكنها لا تفعل ذلك. تلك كانت مهمتي أنا، كشابٍّ من واجبه الاعتناء بوالدته.

كان ذلك يسعدني بالطبع، ولكن في لحظةٍ ما تمنّيت لو كان ثمة قدر من الزجاج يخوّلني الانتقال إلى الجولة التالية من هذه العلاقة، فتخبرني هي برغبتها في التعرّف على حِكمَت، أو ربما تسألني عن قلبي، أو ألا تسأل، بل أن تضع يدها على الجهة اليُسرى من صدري فحسب، محاولة أن تفهم. الآن، قلبي يخفق من الإرهاق وأنا أنحني لالتقاط شظايا الزجاج من حول أمي، تماماً كما يخفق من الإرهاق عندما ألوي ثوابتي أمام حِكمَت.

مثل جميع سكان المبنى، تدور حياة أمي في حلقات غير مستوية بين كلّ من زياراتي. أطفال أزليون وأنا أصغرهم نتهافت إلى ذلك المبنى الأصفر لفترات قصيرة من الزمن في كلّ يوم. ستّة عوائل يترقبون أبناءهم، وأحياناً أحفادهم، أمّا في حالتي، فإنه ترقب لطَقم جديد من كؤوس النبيذ من حينٍ لآخر. نأتي ومعنا قصص عن الخارج، مفترضين أن أهلنا لا يغادرون هذه القلعة أبداً. نأتي ومعنا حلويات مناسبة للسُّكَّري، وفاكهةً وخضاراً نكون قد قرأنا أنها تؤخّر مرض ألزهايمر.

لا أعرف ماذا تفعل أمّي عندما لا أكون هناك. لست متأكّداً مَن يكسر الزجاج أو مَن يأكل الغاتو. ولكنني لا أسأل. أتظاهر بأنني إن لم أسأل، فلن تسأل هي بدورها. ولكنني أريدها أن تسأل، لذلك ربّما يجب أن أسأل.

أقف أمام المرآة في غرفة نومي وأستجوبُ انعكاسي.

“زَها، كتير حلو إنّو بعدُن الجيران بيقطعوا ياكلوا غاتو!” “ماما، علاقتك بتانت إكرام منيحة؟” “ماما، …”

يحدِّقُ حِكمَت في وجهي في المرآة ثم يعود إلى هاتفه. المسافة بيننا أبعد من تلك البلاطاتٍ الرخاميّة القليلة التي تفصل بيننا والخشب المحفور على فراشٍ قديم. لا أعرف أين هو. يرمقني بنظرة ويبتسم، ثم أنسى أنه بعيد. أكره هاتفه.

“ماما، لازم تجي عالعشا شي يوم.”

شوارع الصيف الحارة والأرصفة تشتعل. أجلس في البيت، أحاول أن أبتسم، لكن الهواء ثقيلاً وجافاً. أصوات غريبة تقول أموراً لا أفهمها. لا مساحة للراحة. خرج هذا الحرّ عن السيطرة. ثم أكسر الراديو. يتظاهر حِكمَت بعدم المبالاة:
“It’s a cruel, cruel summer, Leaving me here on my own.. It’s a cruel, (it’s a cruel) cruel summer. Now you’re gone. You’re not the only.”

هل يتظاهر بذلك أم أنه فعلاً لم يعُد يبالي؟ منذ متى يحب فريق «Ace of Base» أصلاً. أو يستمع لـ «لايت إف. إم»؟

أصبحت جميع الأمكنة مخيفة، إذ أضحت كلها خارجاً. أمّي تنتظر، وأنا أنظر إلى المرآة. حِكمَت ذَهَب، وأنا لديَّ أسئلة. أريد أن أحطّم هاتفه على أرضيّة بيتها وأرمي بكلّ شيء في الحديقة. أتعلمَ كم من شيء رُميَ في تلك الحديقة؟

في بيروت، ليس ثمة حديقة خلفيّة آمنة في أي طابقٍ أرضيّ. الجاذبيّة. إلقي اللوم على الجاذبية. ألوم الجاذبية على الأكياس تحت عَينَيّ، وعلى أن خصيَتيَّ لا تتدلّيا متوازيتَين. الجاذبيّة هي التي تجعل كؤوس أمّي تقع أرضاً. الجاذبيّة سوف تنزل هاتف حِكمَت هذه الليلة، وربما وجهه. أجد أجوبتي دائماً في المرآة.

“ماما، حابِب عَرّفِك على رفيقي الليلة.”

أتمرَّن، مع أنني أعلم أنه عندما تأتي اللحظة سوف أرتجل. أحب هذا السؤال. أُمسِكُ بالهاتف وأتّصل. “ماما، من أوّل ما رجعت وحِكمَت عم بقلّي إنّو عَبالو يدوق الغاتو يلي بتعملي”

“مين حِكمَت ؟”

أقول لها أنني سوف أمرّ بها عند المغيب، بعد الصّلاة. أقول لحِكمَت أن أمّي تصرّ على أن أصطحبه معي، وهو لا يصدّقني. إنه مُحِقٌّ في ذلك. ترتسمُ على وجهي نظرةٌ خاصّة عندما تعتمر في ذهني مشاريعٌ مميزة، أما حكمت فأدرك أن هناك خطباً ما. أدخل إلى الحمام، وأستمني، ثم أستحمّ وألفّ منشفةً حول جسدي من أعلى السُّرّةٍ إلى أسفل الرّكبتين، وأصلّي استخارةً للهِداية. لست واثقاً من أنها سوف تساعدني، لكنها لن تأتي بضرر. إلّا إن رآني حِكمَت، فهو يكره أن أصلّي.

إنه شاب. أصغر منّي سنّاً بكثير، ولا ينبغي أن أغضب عندما يعبّر عن رغبته في التعرف على أشخاصٍ جُدُد. ولكنني أكره هاتفه. وأكره كيف صار يناديني بـ”Daddy”. أفتح قنينة «Perrier»، لكن كل ما أريد فعله هو أن أكسرها. أن ألقي بها بين يديه، كي تهشم هاتفه معها.

“حبيبي، بدَّك شفّة؟”

​”لأ”

عندما رحلت الشمس غرباً، رحلنا إلى بناية أمّي.

“الشمس ناطرِتَك عالشباك، حبيبي، كتير مبسوطة إنَّك جيت”. بالفعل. يطل شباك أمّي على أجمل منظرٍ للشمس وهي تقبل دعوة الجاذبيّة للاختفاء وراء البحر. قال حِكمَت “مرحباً” بالإنكليزيّة ثم بالعربيّة ثم اعتذر. زّها أومأت برأسها. اليوم لم يكن هنالك زجاج على الأرض، ورائحة الغاتو المخبوز تفوح في المنزل.

“كيف إمَّك بِتحَلّي الغاتو يا حلو؟”، سألت حِكمَت، “أنا بِستَعْمِل تَمِر”. أكملت. “ما تقول لَحَدا.”

اقتادته نحو الطاولة الدائريّة إلى جانب الشباك حيث وضعت الغاتو الدائريّ، قطعت قطعة صغيرة، تتسع ما بين أصابعها، ودّسَّتها في فمه. “طلاع قطّف شويّة حامض، حبيبي.” مَشَت نحوي وهَمَسَت، “حطّيت أربع تمرات بدل تلاتة بهيدا الغاتو. إذا رفيقَك مات أنا ما خَصّني.” مّشى حِكمَت نحو الحديقة والزجاج ينكسر تحت قدميه. إلتفتنا أنا وأمّي إلى الوراء. ”انكَسَر الشَّر.”